عبدالوهاب المسيري, كتب قرأتها

رحلة المسيري الفكرية 1

 

شاهدت أحد التقارير التي صورت لحظات من عزاء المفكر المصري الراحل عبدالوهاب المسيري رحمه الله، وبحكم علاقته مع السلطات آنذاك لم يكون في عزاءه تمثيل رسمي يليق بمكانته كأحد كبار مفكرين مصر  .. فقال يومها الكاتب الصحفي جمال فهمي “عبدالوهاب المسيري لايحتاج حضور رسمي، وإن كان هناك شيء يضاف لهذه الليلة فهي إضافة لمن يأتي وليس للمسيري” كتب المسيري حياته مع الأفكار، وسيرته منذ بداية وحتى تكوين المفكر، في كتاب أسماه “رحلتي الفكرية .. في البذور والجذور والثمر، سيرة غير ذاتيه غير موضوعية” والعنوان يحمل بين كلماته حياة كاملة، فبذور تكوين هذه الرحلة وجذورها والثمر الذي حصده في حياته، بدون تفصيل شخصي، فتكون غير ذاتية غير موضوعية، ويؤكد المسيري في مقدمة الكتاب أن الصفحات تحتوي قصة حياته الفكرية كمثقف عربي مصري، وليست قصة حياته الخاصة زوجاً وأباً وابناً وصديقاً وعدواً يقول “لتكن هذه السيرة دعوة للمفكرين العرب إلى أن يكتبوا سيرهم غير الذاتية غير الموضوعية التي تحتوي على تلخيص لأفكارهم وبذورها وكيفية تشكلها، ليضعوا خبرتهم تحت تصرف الأجيال الجديدة”

يحكي المسيري بداية حياته من أرض دمنهور في مصر، يصف ملامح الحياة التقليدية التي كبر فيها، تعليم يعتمد على أساليب غير مجدية، ولكن ماكان يميز تلك الفترة بالنسبة للمسيري هي إنتماءه لجيل متصف بسرعة النضج السياسي بناء على الواقع تلك الفترة، ولادته في نهاية الثلاثينات، والأحداث التي واجهتها مصر في الأربعينات والحرب ضد الإنجليز وإتخاذ الموقف ضد العدو منذ كان في السابعة من عمره، وجود هذه البيئة من الإهتمام بالهموم الكبرى “الوطن، الأمن، العروبة” أثرت على تكوين بدايات حياته. حبه للقراءة وتواجده في المكتبة أيضا كان له دوره . يتحدث المسيري عن مجتمع دمنهور الذي تربى فيه، ذلك المجتمع التقليدي الذي يستهجن الإسراف، ويقدر الإلتزامات العائلية، ومن أجمل المشاهد التي يصف فيها ذلك هو المثل الذي ذكره عن أكل الدجاج يقول المسيري: (اضغط على الصورة لتقرأها بشكل أوضح)

إيقاع الحياة الهاديء في دمنهور كما يصفه المسيري يساعد المرء على العيش بشكل إنساني، في حين أن الإنسان الحديث اليوم “يُبدد تمامًا ويُجرد من أي إيقاع إنساني، بل إنه يهدد الحياة الأسرية ذاتها. كما أن إيقاع الحياة السريع يحدد سلوك كثير من الأفراد”. تطرق المسيري لصورة رمضان في دمنهور، كان يحمل فانوسا في طفولته ويمر على المنازل يغنون “هاتوا العادة / ليه وزيادة / والفانوس طفا / والعيال ناموا / الله يخليهم   / هما وأهاليهم” وأخبره أحد أصدقائه أن هذه العادة في القاهرة يفعلها الفقراء فيها، في حين أنه لم يكن لها أي مفهوم طبقي في دمنهور، المجتمع البسيط.

يتسائل المسيري مع تقلص المجتمعات التقليدية وغياب الموروث الثقافي، مما يجعله أحد القضايا الأساسية المطروحة في عالم التربية، ما مقدار الخسارة التي نواجهها في مقابل محو الأمية وتحديث المجتمع؟ هل ثمة طريقة لذلك دون أن تؤدي بالضرورة إلى حرمان الجماهير من قدر كبير من الثقافة التقليدية الشفوية؟ .

فقد الجمال الإجتماعي الذي يجعل القلوب الإنسانية أكثر يقضة وأكثر إحساس بالآخرين، التي تجعل الجميع يشعر بالمسؤولية تجاه الآخر، ويعاونه من باب الأخوة لا المصلحة، كيف يمكن أن نحافظ على هذا الجمال ونتقبل التغيير الذي يعطينا التميز في التعامل مع العالم الجديد الذي نواجهه. يقول المسيري ” المجتمع التقليدي يحدد كل شيء ويتدخل في كل شيء، وموروته الحضاري، برغم أنه قد يحمي الإنسان من التقاليع وهجمة الحداثة ويساعده على تأكيد هويته في مواجهة عالم رمادي شخصي، يشكل عبئًا على المرء، خاصة إن كان يريد التغيير والإبداع”

التحدي يكمن في القدرة على المضي في طريق منتصف، القدرة على تحمل مقاومة مايُفقده الهوية، في حين يكون لدى الفرد القدرة على الإنتاج والتعامل مع التغيرات بشكل إنساني، القدرة على إيجاد مكامن الجمال والأصالة في ذات الوقت الذي نرى فيه الإيجابية من هذا العالم المخيف أحياناً . وبهذاا لمفهوم يقول المسيري أيضا “كل ما أود تأكيده هو أن المجتمعات التقليدية كانت تحوي منظومات قيمية وجمالية لم يؤد تقويضها وتدميرها بالضرورة إلى مزيد من السعادة. كما أن الأشكال الحضارية الحديثة (عادة مستوردة) ليس هي الأشكال الحضارية الوحيدة، بل هناك أشكال آخرى قد تكون أكثر ثراء وأكثر دفئا، والأهم من هذا أنها قد تكون أكثر تجذرًا، وضياع مثل هذه الأشكال هو خسارة حقيقية”

سأكمل ماتبقى من حديث حول هذه السيرة الضخمة في تدوينات خلال الأيام القادمة إن شاء الله .. إلى ذلك الوقت اقٍأوا له هذه المقالة أسئلة الهوية  :29: 

 

Be Sociable, Share!

1 thought on “رحلة المسيري الفكرية 1

  1. المثقفين الغير المحسبوين على السلطة أكثر شفافية ووضوح وأقرب للقارئ
    وقد يكون هذا سبب يُؤدي إلى إنتشارهم بطريقة أو باُخرى ..
    أحببت حديثة عن الحياة البسيطة والتقاليد والعادات العفوية .. والأسئلة التي تنشأ والأفكار والحيز الذي يُبنى نفسة بنفسة ..
    تم حفظ التدوينة ..
    شكراً يابيان ( :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

:wink: :-| :-x :twisted: :) 8-O :( :roll: :-P :oops: :-o :mrgreen: :lol: :idea: :-D :evil: :cry: 8) :arrow: :-? :?: :!: