عبدالوهاب المسيري, كتب قرأتها

رحلة المسيري الفكرية 2

“لا يمكن أن ترى الأشياء بوضوح إلا من خلال القلب، فكل الأمور الجوهرية غير مرئية”

 

سأحكي لكم بإختصار عن أبرز أفكار المسيري، وهي نظرته حول ما أسماه بالمجتمع التراحمي والمجتمع التعاقدي، اقرأ معي

يرى المسيري أنه تعلم من المجتمع التراحمي أهمية الإنسان، ككائن حر نبيل وأهمية العواطف وأهمية الإفصاح عنها. هنا كتب المدون فهد الحازمي عن التعاقدية والتراحمية بشكل بسيط وواضح.

من أجمل التجارب التي كتبها المسيري في كتابه ما يسميها بالذئاب الثلاثة، وهي ذئب الثروة وذئب الشهرة والذئب الهيجيلي المعلوماتي، ومواجهته لذئب الثروة كانت بسيطرته على هوس المال، والمحافظة على نمط الإعتدال في ذلك، فيرفض الوظائف التي قد تأخذ وقته كامل ليتفرغ للقراءة والتأليف. أما ذئب الشهرة فقد واجهه بعد علو مكانته الإجتماعية والثقافية في مصر، ويقول “أن أشبع ذئب الشهرة داخلي حسب الشروط التي يفرضها العالم الخارجي، فأكون كمن كسب المعركة وفقد الحرب. وويل للذي يربح كل  شيء ويخسر نفسه” وبعد صراع تعامل المسيري مع الشهرة بشروطه الخاصة والتي تجعله يحافظ على مكانته بما يساعده في نشر أعماله وأفكاره فقط كالثروة تماماً والتي استخدمها بحسب مايساعده لنشر أعماله بنفسه . الذئب الأخير والأخطر هو الذئب الهيجلي المعلوماتي “وهو الذي يعبر عن نفسه بالرغبة العارمة في أن اكتب كتاباً نظرياً، إطاره النظري واسع شامل للغاية لكنه في الوقت نفسه يتعامل مع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل، وإن لم يكن كلها” ويحفز هذا الذئب الفرد لقراءة كل الكتب المتخصصة في أي مجال والهوس بالإلمام بجميع المعلومات، وفي حال الكتابة يشعر بأنه لم يوفي الموضوع حقه ويستمر في البحث حتى ينتهي به الأمر دون أني يكتب شيء … يقول المسيري “صرع هذا الذئب مجموعة من أعز أصدقائي أمام ناظي، مات دون أن ينبس ببنت شفة، رغبةً منه أن يحقق هذه الصيغة المستحيلة : عمل نظري شامل مجرد ينتظم كل المعلومات الممكنة” صغار هذه الذئاب تعبث في رأس المدونين هذه الأيام  :D من الأمور التي ساعدت المسيري في ترويض هذا الذئب هو كتابته لأبحاث صغيرة أثناء دراسته في فترات قصيرة فيجبر على أن يكون مركز قصير ولا يشترط الشمول الكامل.

ومن أفكار المسيري حول المادية والإنسانية، والتي ذكرها في فصل أسماه “من بساطة المادية إلى رحابة الإنسانية والإيمان” في جزء تحدث عن الدين وبإعتباره جزء مكون وأساسي للهوية، كما أشار حول ذلك إلى تجربة مالكوم اكس، وأيضا تحدث عن الفردية والنسبية متناولاً فيها النموذج الغربي المادي يقول “وجدت أن النسبية المعرفية والأخلاقية التي كان من المفروض أنها ستحرر الإنسان وتفسح له المجال لتأكيد فرديته، أدت إلى العكس …. فالنسبية قوضت الإنسان/الفرد من الداخل وجعلت منه شخصية هشة غير قادرة على اتخاذ أي قرار وإن كانت في الوقت ذاته قادرة على تسويغ أي شيء، وكل شيء”  ويؤمن المسيري بما أسماه بالنسبية الإسلامية “أن يؤمن الإنسان أن هناك مطلقاً واحداً هو كلام الله، وماعدا ذلك فاجتهادات إنسانية، أي أن كل ماهو إنساني نسبي في علاقته بالمطلق الذي يوجد خارجه” ويضيف  “كما أنني أؤمن بما أسميه (الإنسانية المشتركة) التي تجمعنا كلنا والتي تترك مع هذا مجالاً للإختلاف، وهو مفهوم ينجز كل هذا السقوط في هوة النسبية العدمية” 

تناول بعد ذلك العقلانية المادية والتي تعني تساوي بين الإنسان والطبيعة ومن هنا يساوي بين عقل الإنسان والطبيعة المادية،  والتي تجعل مبدأ التجريب مجرد من أي مبدأ إنساني أو أخلاقي، والسعي وراء ذلك دون السؤال عن الغاية والهدف منها. ومن الأمثلة التي طرحها هو عدم فهم المجتمعات الغربية قضية حق العودة لفلسطين وأهمية القدس. ورفض اللاجئون الفلسطينيون لأي عرض مادي رغم أوضاعهم والإصرار على الإحتفاظ بأرضهم. النموذج المادي غير قادر على تفسير هذه الظاهرة ولن يستطيع إستيعابها. “ومن ثمرات العقل المادي ما يسمى “الترشيد” أي محاولة توظيف الوسائل بأحسن السبل في خدمة الغايات، أي غايات. وهذا يعني أن يتعلم الإنسان كيف يبني جسراً أو طريقاً، ولا يهم أي سيؤديان : إلى الجنة أم إلى الجحيم؟” وهذا يعني أنه من الممكن توظيف خير الوسائل التكنولوجية العقلانية في خدمة اللاعقل .

أوجد أيضا ما سماه المسيري بالترشيد الجواني والذي أدى إلى الإستهلاكيةالتي تحاول أن تحدد للمرء غايته من هذه الحياة، وإيجاد قوالب محددة للأفراد يتعاملون مع في حياتهم على أساساها. “ويرى أدرونو أن الترشيد كان من المفروض أن يؤدي إلى الحرية والعدالة والسعادة ولكنه أدى إلى نتيجتين متناقضتين (انعتاق الإنسان من أسر الضرورة المادية، وتسلعه وتشيئة في الوقت نفسه) أي أن ترشيد الحياة الإجتماعية أدى إلى نفي الحرية تماماً” ويرى المسيري بأن العقل العربي الإسلامي يمارس خوفا من العقلانية المادية “فشل الحداثة عندنا نتيجة هذا الخوف، فالإنسان العربي، سواء مسلم أو مسيحي يحتفظ بمنظومته القيمية التي تجعله إنساناً متعدد الأبعاد، له ذات حقيقية … ومن هنا فهو لا يسقط في الأحادية المادية التي ترد العالم إلى مستوى واحد، أي المستوى المادي”

والمطلوب من هذا كله هو “حداثة جديدة” تتبنى العلوم والتكنولوجيا ولاتضرب بالقيم أو بالغائية الإنسانية عرض الحائط، حداثة تحيي العقل ولا تميت القلب، تنمي وجودنا المادي ولا تنكر الأبعاد الروحية لهذا الوجود، تعيش الحاضر دون أن تنكر التراث. وهي مسألة ولا شك صعبة لكن ليست مستحيلة”

 سنتحدث في التدوينة القادمة عن الإمبريالية والعنصرية، والعلم والتقدم وبعض التفاصيل في لأفكار آخرى للمسيري رحمه الله  :70: 

اقرأوا معي هذا المقال الإنسان والشيء  :29:

 

 

Be Sociable, Share!

5 thoughts on “رحلة المسيري الفكرية 2

  1. كُنت أؤجل القراءة للمسيري رحمه الله إلا من مقالات يسيرة حتى أرتب خارطتي المعرفية أكثر، ومن أقدار الله أن تبدأي في سلسلتك هذهِ لتشعلي شغفي للقراءة له وفي نفس الوقت لا أرجع عن خطتي.
    وبما أن التدوينة غنيّة اخترت نقطة واحدة لتحدثيني عنها، بخصوص الترشيد الجواني والقوالب المحددة هل يعني أن فكرة النجاح الفردية في المنظومة الغريبة أوصلتهم لهذا ؟ وكيف ترى بيان في معنى الخلافة في منظومتنا نحن كحلّ أو لنقل كقانون حياة بعد القراءة للمسيري؟

    وبالمناسبة ما حجم التغيير الذي شهدته بيان خلال القراءة لهذا الرجل النبيل سواء مذكراته أو كتبه الأخرى ؟

    1. أهلا بالرفيقة الجميلة ()
      فيما يخص الفكرة الأولى حول نجاح المنظومة الغربية بسبب الفردية هي أنجحتهم مادياً .. ولكن في مقابل ذلك يكون هناك تراجع إنساني يثير الفزع .. منها قدرتهم على تبرير الجريمة مقابل الوصول للغاية الناجحة .. النجاح الغربي في بعض الأصعدة يحتاج لنقد إنساني

      من أجمل القيم الروحية والتي تبنى على أساسها أفعالنا هو معنى الخلافة .. بتعريف الإستخلاف في الأرض فنحن ملزمون بعمارة الأرض على أساس حدده القرآن أساس قيمي وإنساني وأخلاقي .. بالتأكيد هو أحد الحلول .. المشكلة بأن مفهوم الخلافة فقد معناه بسبب إرتباطه بالموروثات والتي تحتاج لإعادة نظر في كثير من الأمور

      حجم التغيير لا أستطيع وصفه يارحابي :$ المسيري يحي الإنسانية داخل كل فرد منا .. التعامل مع الحياة ومع التصرفات ومع أواجهه من تغييرات تلقائيا بدأ يتخذ نموذج من النماذج التي طرحها المسيري، بخلاف أنه يدفعك لثورة فكرية كبيرة جدا -_-

      إن شاء الله قدرت أوصلك فكرة أو أجوبة لأسئلتك .. ولو أني لا أملك شيئا لأحكي عن فكر رجل كالمسيري

  2. جميل يا بيان .. رآئع ..
    لطالما أردت القرآءة له ..
    تغريداتك في تويتر كانت تشجعني على ذلك .. وهذه النبذة تدفعني لذلك أكثر .. شكراً لك :)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

:wink: :-| :-x :twisted: :) 8-O :( :roll: :-P :oops: :-o :mrgreen: :lol: :idea: :-D :evil: :cry: 8) :arrow: :-? :?: :!: