عبدالوهاب المسيري, كتب قرأتها

رحلة المسيري الفكرية 3

ماذا سأكتب يا مدينة
فعلى ملامحك العجاف
تخوب أخيلة الضغينة
سأقول أنك توقدين
مصباح غازك من دم الموتى وجوع الآخرين
مهلا ،
وأنك تشربين مائي وبترولي ..
وأنك تبصقين آلاف آلاف الرجال
وتقتلين الطيبين

كاظم جواد

(تعني الإمبريالية سياسة توسيع السلطة، ويطلق هذا التعبير على الدول التي تسيطر على دول تائهة أو دول كانت موجودة ضمن إمبراطورية الدولة المسيطرة وقد بدأت الامبريالية الجديدة بعد عام 1860 عندما قامت الدول الأوربية الكبيرة باستعمار الدول الأخرى. أطلق هذا التعبير في الأصل على بريطانيا وفرنسا أثناء سيطرتهما على أفريقيا ويعتبر لينين أن وجود الامبريالية مترابط مع الرأسمالية لأنها تستخدم الدول المستعمرة على أنها أسواق جديدة أو مصادر لمواد أولية) ويشرحها المسيري في النموذج الحضاري الغربي، حيث يرى بأنها تعتبر جزء أساسي في بناء هذه الحضارة، ويعتبر أن “التقدم الغربي” هو ثمرة نهب العالم الثالث، وأن هذه النهضة تمت على حساب العالم، كما أن التأييد المستمر للكيان الصهيوني والتبرير له يدل على النزعة العنصرية في النموذج الغربي، وطرح المسيري أمثلة العنصرية ضد “السود” في أمريكا، وأحد المواقف التي واجهها المسيري في امريكا :

*اضغط على الصورة للقراءة

الديموقراطية والقيمة

يرى المسيري أن أهم القضايا التي تواجهها الديموقراطية في التطبيق هي مشكلة المرجعية النهائية، بمعنى مجموع القيم التي تحكم الإجراءات الديموقراطية ذاتها، ويسميها “الديموقراطية المنفصلة عن القيمة” التي تجعل الحرية مطلقة تماماً، ونتجت عنها مظاهر تهدد الإنسان نفسه، لذى من المهم إعادة تعريف الديموقراطية نفسها، وأن مرجعية النظم الديموقراطية يجب أن تكون القيم الإنسانية العامة، التي لا تسلب الإنسان من ذاته باسم الحرية . تحدث المسيري عن علاقة المجتمع الأمريكي كنموذج بالجنس، ويقول “عدم إحساس الأمريكي بالطمأنينة وافتقاده المعنى يجعله دائما يحاول أن يصل إلى بعض اليقين أو إلى اليقين الكامل المؤقت، ويحاول أن يستأنس بالغير كي يتجاوز اغترابه، ولكنه في الوقت نفسه يخاف الإرتباط الدائم بالآخر، ففي هذا نوع من الثبات وهذا أخشى ما يخشاه، وقد وجد ضالته عبر الجنس العابر” ويعتقد المسيري أن هذا الموقف من الجنس أو العلاقات أثرت على كيان الأسرة وأهميتها بالنسبة للفرد، فالنزعة المادية قتلت داخله الشعور الإنساني بالآخرين، وجعلته مكتف بذاته. ومن هنا يرى بأنه من نتائجه هو الشذوذ . يقول المسيري: (الإباحية الجديدة هي إباحية ديموقراطية “عملية” تفرض أن الجنس طاقة محايدة، يمكن استخدامها في التحكم في هذه الوحدة الإٍستهلاكية التي كانت الفلسفة القديمة تطلق عليها اصطلاح “إنسان”)

الإستهلاكية والإمبريالية النفسية

ينتج الهجوم الإعلامي فرد يؤمن بأن السعادة تأتي مع الإستهلاك، وكلما زاد إستهلاكه تزيد سعادته، وهذا الأسلوب المادي جعل الفرد غارقاً في السلعة وفي غيبوبة إنسانية كاملة . أحد القصص التي تصور إرتباط الإقتصاد بالقيم، والوصول للإنسان من خلال الشعارات هي بدء التدخين في المجتمعات النسائية بامريكا  :

-1-

-2-

ومن المواقف العجيبة في حياة المسيري التي ذكرها لتوضيح الأيديولوجية الإٍستهلاكية و الإمبريالية النفسية أنه اعتاد في مصر أن يشتري الدجاج، ويعتبر ترف بالنسبة لبقية أنواع اللحوم، والأغلى بينها، وبعد ذهابه لأمريكا استمرت هذه العادة، وفي أحد الأيام زارتهم صديقة أمريكية وقالت بتذمر أنها ذاهبة لطبخ الدجاج لزوجها، واستغرب المسيري من ذلك وسألها عن السبب ليكون ردها أنه أرخص أنواع اللحوم بأمريكا، ويقول المسيري بأنه بعد هذا الموقف اختلف مذاق الدجاج، وأدرك سلم الأولويات التي حددها له المجتمع حتى في المذاق .

العلم والتقدم

يتحفظ المسيري على قبول المصطلحات المطلقة حول التقدم التكنولوجي أو التجريب العلمي، ويؤكد على أن قبولها مشروطاً، معتبرا أن النزعة للتقدم المطلق وكونه هدفاً بحد ذاته يؤثر بشكل سلبي على حياة البشر، ويطرح تساؤل مهم حول ذلك “هل جهاز الإنسان العصبي قادر على استيعاب كل هذه الأحاسيس والأفكار والمعلومات التي تُرسل له يومياً من بيئته الإجتماعية التي يزداد إيقاعها سرعة ووحشية؟ ” وهل التقدم ذاته يؤدي بالضرورة لسعادة الإنسان ؟ يرى المسيري أن التقدم أثبت أن كلفته عالية، فهو لم يشف كثيراً من أمراض الإنسان الروحية والنفسية بل فاقمها، بناء على الإحصائيات العالمية لمعدل الأمراض النفسية والإنتحار، كما أن الإستهلاك المستمر للطبيعة يهدد الكثير من أنواع المعادن والحيوانات والنباتات الآخذة بالإنقراض عاماً بعد عام . يقول فرانسوا رابليه “إذا لم يقترن العلم بالضمير أدى إلى خراب النفس”

استغرقت رحلة الإنتقال من ضيق المادة لرحابة الإيمان ربع قرن من حياة المسيري، تبني الفكر المادي، هو الطريق الأسهل برأي المسيري ولكن لا يلبث الإنسان حتى يرى التناقض بين ما يفعله وما يكمن داخل أعماقه من إنسانية تستمر في طرح الأسئلة، وسمى إستيعاب ذلك بـ “الإله الخفي” وهو البحث غير الواعي للإنسان الطبيعي/المادي عن المقدس في عالم الطبيعة/المادة ذلك العالم الذي لا قداسة له ولا محرمات فيه ولاحرمات. تبنى فيه المسيري الماركسية اللامادية أو كما يقول عن ذاته حينها “ماركسي سني”

واجه المسيري العديد من الاسئلة خلال هذه الرحلة وتبنى الكثير من الأفكار وتخلى عنها في كل مرة تثبت فيها تناقضها، وكان يشارك طالباته أثناء إلقاءه للمحاضرات أفكاره، ويناقش معهم القصائد التي تأخذ منحى فكري آخر، يوقفه مرات عن الشرح ومرات تظهر له أفكار جديدة واسئلة كثيرة، ليجد طريقه للإيمان المقنع، وتبلور في داخله نموذج يقر بإنسانية وحرية الإنسان يقول “الإنسان كائن حر يصنع التاريخ، جزء من الطبيعة ومستقل عنها لا يمكن أن يُرد لها، كائن له منتجاته الحضارية التي تمنحه خصوصيته القومية، والتي تحوله من كائن طبيعي إلى كائن حضاري” … “اكتشافي للخير في النفس الإنسانية عاد بي إلى عالم الإنسانية والإيمان”

النموذج الثنائي هو النموذج الذي توصل من خلاله المسيري لمفهوم الإيمان “وهكذا بدل الوصول إلى الإنسان من خلال الله، وصلت إلى الله من خلال الإنسان، ولا يزال هذا هو أساس إيماني الديني، وهو ما أسميه بـ”الإنسانية الإسلامية” التي تنطلق من رفض الواحدية المادية وتصر على ثنائية الإنسان والطبيعة/المادة، وتصعد منها إلى ثنائية الخالق والمخلوق وكل الثنائيات الآخرى … وبالتدريج تحول الإيمان إلى رؤية شاملة للكون، وإطار للإجابة عن كل التساؤلات”

ويختم هذا الجزء بقوله “مفهوم الله الرحيم العادل من المفاهيم المركزية في تصوري، وهوليس إله العرب أو المسلمين أو قوم أو عرق دون الأقوام أو الأعراق الآخرى، بل هو رب العالمين أجمعين، ويشملهم جميعاً بعدله ورحمته. ولعل كل هذه العناصر توسع من آفاق إيماني الديني، وتجعل للآخر مكاناً في عالمي برغم إيماني بالإٍسلام أو ربما سببه. إذ أن الإسلام من أكثر العقائد تسامحاً وقبولاً للآخر، برغم أنه يحدد الحدود ويضع الفواصل”

وهنا نكون تحدثنا بإيجاز شديد عن الجزء الأول من رحلة المسيري الفكرية “جزء التكوين” وقد نكتفي في المرات القادمة بمشاركة بعض المقالات لبعض عالم الفكر لديه رحمه الله، تأخرت كثيراً في ختم هذا الجزء ولكن المعاني العميقة التي تحملها سيرة المسيري رحمه الله عظيمة وتستحق وقفات طويلة، إضافة إلى شعوري بالتقصير في فهم التفاصيل التي يتحدث عنها، وقد أكون أخطئت في إيصال أحد الأفكار، فأي تصحيح يمكن إضافته أرجو مشاركتي به. الاسئلة التي مرت بحياته تمر علينا جميعاً، والجميل في سيرته هو العودة للإنسانية التي قد تسرق منا في هذا العالم الإستهلاكي، ماقرأتموه ليس سوى خطوة تشجيعية لمن لم يقرأ سيرة أحد أبرز المفكرين المسلمين  () وفي هذه الأيام التي يبحث فيها الشعب العربي عن حريته أشارككم حلم المسيري قبل وفاته  :70:

Be Sociable, Share!

4 thoughts on “رحلة المسيري الفكرية 3

اترك رداً على بيان الجهني إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

:wink: :-| :-x :twisted: :) 8-O :( :roll: :-P :oops: :-o :mrgreen: :lol: :idea: :-D :evil: :cry: 8) :arrow: :-? :?: :!: