حكايات لا تنتهي, كتب قرأتها

كواليس الشعوب .. فن الرواية

كواليس الشعوب - مكة

يزيد عدد أصدقائك حول العالم بعدد الروايات التي تحكي عن الشعوب المختلفة، تثير الاهتمام بشدة تلك الروايات التي تصور لك حياة الشعوب المجهولة، بعيدا عن موضوعية الأفلام الوثائقية، فقط حياة اجتماعية وممارسات يومية ينقلها الكاتب ليكون بطل الرواية صديقك من أي شعب أو أي بلد يعيش فيه، مهما اختلفت الأجيال. يصف محمد قنديل ذلك المجتمع البخاري المتدين، في روايته الجميلة «قمر على سمرقند»، حيث تلازمه شخصية الشيخ «نور الله» ومع الأحداث التي تحتويها الرواية تكون الصورة حول المجتمعات المختلفة في تلك المنطقة من وسط آسيا، حيث المتدينون واليهود والمسترزقون والسياسيون، يحكيها وكأنك تمشي بين الأزقة معهم. ترتكز روايته حول قصة الدكتور المصري الذي ذهب لسمرقند بحثا عن أجوبة من رفيق والده في حرب أكتوبر، ولكن لم تكن الإجابة هي محور الرواية، بل تلك التفاصيل عن الرحلة ذاتها، انتقاله من منطقة لأخرى، ومرافقته لسائق الأجرة، نور الله، الذي يُقحم الدكتور علي في حياته بتفاصيلها الطويلة.

Path 2014-01-18 16_37أما حجي جابر في روايته «سمراويت» فهو يريك ما هو أقرب بالفلاشات حول المجتمع الإريتري، قد لا يكون أخذ وقتا طويلا في الوصف، ولم يتعمق في التفاصيل، ولكن مجرد تطرق لبعض الأمور مثل طقوس إعداد القهوة الإريترية، أو كما ذكرها حجي «الجبنة» والتي تشبه لحد كبير القهوة التركية، ويقول « طقوسها تحتم شرب ثلاثة فناجين منها، «أول» ويكون مرّكزاً، ثم «بركة» وهو أخف قليلا، وأخيرا «خضر» خاتمة الفناجين، وهنا لابد من تسليم الفنجان فارغاَ ومصحوباً بالاستحسان والامتنان: «طُعُم بُون» ، في إريتريا لا يمكن أن تحمل شريحتي جوال، فقط واحدة وبعد موافقات رسمية، وإن استخدمها غيرك تعتبر مخالفة للأنظمة! ما الذي يخبئه هذا الشعب أيضا!! يستدرك حجي حكاياته عن وطنه برواية “مرسى فاطمة” والتي تجمع بين الحب والوطن هذه الثنائية التي يتقاسمها أبناء الشعوب جميعاً، ولكن في “مرسى فاطمة” يعيد حجي الحكايات المجهولة عن ارتريا. تلك الحكايات المختزلة بين دفتي الكتاب، تذكرة سفر للقارئ تنقله مع القصة أينما تكون، ومتى ما تكون. «ساق البامبو» الرواية التي حصلت على الجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر» لعام 2013، للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، تأخذك من منتصف الثمانينات ما بين الكويت والفلبين، «عيسى أو هوزيه» كويتي الأب فلبيني الأم، يحكي رحلة عودته من بلد أمه للكويت، تعرف من خلال حكايات عيسى بعض التفاصيل عن المجتمع الفلبيني، وأغربها استئجار «بكّائين» للبكاء على موتاهم، فكثرة البكاء تساعد في سفر روح الميت من الأرض للسماء بسهولة، وأيضا مختلف وسائل النقل الفلبينية «الترايسيكاد» وهي دراجة هوائية ،يركّب بجانبها مكان يتسع لراكبين، الترايسيكل هي شبيهة بالدراجة السابقة، ولكن الفرق أنها دراجة نارية (تعمل بالوقود) تستطيع هذه الدراجة حمل 6 ركاب في وقت واحد، وذلك حسب نوعها، دائما ما نرى هذه الوسائل من خلال شاشات التلفزيون، ولكن لم يصفها أو يسمها أحد، وكان حديث عيسى من خلال الرواية يوصل لك الصورة بشكل مشوّق جدا المحور الأساسي لهذه الرواية هو سؤال الهوية، وارتبطت بعدد من الصور حول العادات الاجتماعية والتفاصيل التي كانت في عرض وصف موقف أو قصة يعيشها عيسى. وما هذه الأمثلة إلا جزء بسيط مما قد تضيفه الروايات الاجتماعية، فتوثيق الحياة والعادات وحتى الأنظمة الغريبة في مختلف الشعوب من خلال الرواية يعتبر إضافة جميلة، خاصة مع الزخم الروائي العربي هذه الفترة، والحرص على نقل التجارب بمنظور واقعي أو مقتبس من حياة معينة يزيد من اهتمام القارئ، فالغموض الذي يكتنف الشعوب الصغيرة في تفاصيلها يثير الاهتمام ويطرح التساؤل حول مصيرها التاريخي تأتي وتذهب الأمم و لا يوثق الكثير من الحكايات التي قد تكون أحد الأسباب التي تشكل هويتهم الحالية وأيضا مثل هذه الروايات تحيي في الإنسان قدرته على قبول الآخر، والاختلافات العجيبة بين الشعوب تأتي بشكل مناسب، لأن ما يُذكر في سياق الرواية يأتي في الأغلب متناسقا ومتناسبا مع القصة، فتكون العادات مبررة ومتوقعة، وهذا ما يجعل الروايات الاجتماعية أكثر عمقا وتأثيرا، بالتأكيد مع وجود القصة والحبكة الجيدة. الرواية هي الوجه الآخر الذي نجهله للشعوب واقعي موجود، ولكن الغياب أبعده عن آفاق معرفتنا بهم. عرفنا على شعبك أيها الروائي العربي، فالحكمة والجمال والتفرد لكل شعب تكمن في تلك التفاصيل.

في صحيفة مكة

Be Sociable, Share!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

:wink: :-| :-x :twisted: :) 8-O :( :roll: :-P :oops: :-o :mrgreen: :lol: :idea: :-D :evil: :cry: 8) :arrow: :-? :?: :!: